عبد الحسين الشبستري

869

اعلام القرآن

كان صلّى اللّه عليه وآله يكثر الذهاب إلى غار حراء - قرب مكّة - لعبادة الواحد الأحد ومناجاته والتضرّع إليه . ولم يزل على عبادته في غار حراء حتّى بلغ الأربعين من عمره ، وفي الثامن عشر من شهر رمضان ، وقيل : في التاسع عشر منه دقّت ساعة الصفر عندما قررت السماء إرساله إلى الناس كافّة ليدعوهم إلى الهدى ودين الحقّ ، فنزل عليه أمين الرحمن جبرئيل عليه السّلام حاملا إليه رسالة من اللّه العزيز قائلا : يا محمد ! أنت رسول اللّه ، ثمّ قال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقرأ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ذلك ، ثمّ نزلت عليه الآيات ، فكان أوّل ما نزل عليه من القرآن بعد اقرأ : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ و يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ و الضُّحى ثمّ تتابعت عليه الآيات والسور . أخذ صلّى اللّه عليه وآله يخبر بنبوّته من يطمئن إليه من أهل بيته ، فكان أوّل من أعلمه بذلك ابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فأسرع إلى الإيمان به وتصديقه ، ثمّ آمنت به زوجته السيّدة خديجة عليها السّلام ، ثمّ تتابع الناس على الإيمان به وتصديقه واعتناق شريعته . وما مرّت الأيّام والليالي حتّى تكاثر عدد المسلمين ، فأعلن على رؤوس الأشهاد عن رسالته ، ودعا الناس إلى توحيد اللّه عزّ اسمه ونبوّته ، وطلب منهم نبذ الشرك وعبادة الأوثان وغيرها من العادات والتقاليد الجاهليّة ، وحثّهم على ترك ما يغاير العقل والمنطق . وبمرور الأيّام علم الناس بأنّ شريعته هدفها الوحيد هو إنقاذهم من الجهالة والضلالة ، وإيصالهم إلى ما هو خيرهم وصلاحهم في دنياهم وآخرتهم . أخذ صلّى اللّه عليه وآله يحارب الظلم بكلّ صنوفه وأشكاله ، كتسلّط الأغنياء على رقاب الفقراء ، ورزوح الضعفاء تحت سطوة الأقوياء والمستكبرين ، ودفن البنات أحياء تحت التراب ، وحرّم الربا وشرب الخمر والمسكرات ، وحرّم الزنى والقمار وغيرها من التصرّفات والعادات البذيئة واللاأخلاقيّة . أعلن صلّى اللّه عليه وآله عن مفاهيم وأسس جديدة للناس منها : « لا فرق بين عربيّ وأعجميّ وأسود وأبيض إلّا بالتقوى » .